محمد متولي الشعراوي
10667
تفسير الشعراوي
ويغزله الرجال ، ولم يكُنْ أحد يغزل لأحد أو يبيع له ، فهذه صورة حضارية رأيناها فيما بعد . وقديماً ، كان الناس يتعاملون بالتبادل والمقايضة ، وفي هذه الحالة لا يوجد بائع على حِدَة ولا مُشْترٍ على حِدَة ، فلا يتفرد البائع بالبيع ، والمشتري بالشراء ، إلا في حالة مبادلة السلعة بثمن ، كما قال تعالى : { وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ } [ يوسف : 20 ] أي : باعوه . أما في حالة المقايضة ، فأنت تأخذ القمح تأكله ، وأنا آخذ التمر آكله ، فالانتفاع هنا انتفاع مباشر بالسلعة ، فإنْ قدَّرْتَ أن كل واحد في الصفقة بائع ومشترْ . تقول : شَرَى وباع . وإنْ قدَّرْت الأثمان التي لا ينتفع بها انتفاعاً مباشراً كالذهب والفضة ، أو أي معدن آخر ، وهذه الأشياء لا تؤكل فهي ثمن ، أمّا الأشياء الأخرى فصالحة أنْ تكون سلعة ، وصالحة لأنْ تكون ثمناً . وقد أفرد القرآن الكريم سورة مخصوصة لمسألة الكيل والميزان هي « سورة المطففين » ، يقول سبحانه : { وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ الذين إِذَا اكتالوا عَلَى الناس يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ } [ المطففين : 13 ] . نقول : كال له يعني : أعطاه ، واكتال عليه يعني : أخذ منه . فإن أخذ أخذ وافياً ، وإنْ أعطى أعطى بالنقص والخسارة . والقرآن لا ينعى عليه أن يستوفى حقّه ، لكن ينعى عليه أن ينقص من حَقِّ الآخرين ، ولو شيئاً يسيراً . فمعنى ( المطففين ) من الشيء الطفيف اليسير ، فإذا كان الويل لمن يظلم في الشيء الطفيف ، فما بال مَنْ يظلم من الكل ؟